ابن كثير

144

البداية والنهاية

الحسن البصري يقول : وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج سمعته يقول على هذه الأعواد : إن امرءا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحري أن تطول عليها حسرته إلى يوم القيامة . وقال شريك القاضي عن عبد الملك بن عمير ، قال ، قال الحجاج يوما : من كان له بلاء أعطيناه على قدره ، فقام رجل فقال : أعطني فإني قتلت الحسين ، فقال : وكيف قتلته ؟ قال : دسرته بالرمح دسرا ، وهبرته بالسيف هبرا ، وما أشركت معي في قتله أحدا . فقال : اذهب فوالله لا تجتمع أنت وهو في موضع واحد ، ولم يعطه شيئا . وقال الهيثم بن عدي : جاء رجل إلى الحجاج فقال : إن أخي خرج مع ابن الأشعث فضرب على اسمي في الديوان ومنعت العطاء وقد هدمت داري ، فقال الحجاج ، أما سمعت قول الشاعر : حنانيك من تجنى عليك وقد * تعدى الصحاح مبارك الجرب ولرب مأخوذ بذنب قريبه * ونجا المقارف صاحب الذنب ؟ فقال الرجل : أيها الأمير ! إني سمعت الله يقول غير هذا ، وقول الله أصدق من هذا ، قال : وما قال ؟ قال ( قالوا يا أيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين ، قال معاذ الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده إنا إذا لظالمون ) [ يوسف : 78 - 79 ] قال : يا غلام أعد اسمه في الديوان وابن داره ، واعطه عطاءه ، ومر مناديا ينادي : صدق الله وكذب الشاعر . وقال الهيثم بن عدي عن ابن عباس : كتب عبد الملك إلى الحجاج أن ابعث إلي برأس أسلم بن عبد البكري ، لما بلغني عنه ، فأحضره الحجاج فقال : أيها الأمير أنت الشاهد وأمير المؤمنين الغائب ، وقال الله تعالى ( يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ) [ الحجرات : 6 ] وما بلغه باطل ، وإني أعول أربعة وعشرين امرأة ما لهن كاسب غيري وهن بالباب ، فأمر الحجاج باحضارهن ، فلما حضرن جعلت هذه تقول : أنا خالته ، وهذه أنا عمته ، وهذه أنا أخته ، وهذه أنا زوجته ، وهذه أنا بنته ، وتقدمت إليه جارية فوق الثمان ودون العشرة ، فقال لها الحجاج : من أنت ؟ فقالت : أنا ابنته ، ثم قالت : أصلح الله الأمير ، وجثت على ركبتيها وقالت : - أحجاج لم تشهد مقام بناته * وعماته يندبنه الليل أجمعا أحجاج كم تقتل به إن قتلته * ثمانا وعشرا واثنتين وأربعا أحجاج من هذا يقوم مقامه * علينا فمهلا إن تزدنا تضعضعا أحجاج إما أن تجود بنعمة * علينا وإما أن تقتلنا معا قال : فبكى الحجاج وقال : والله لا أعنت عليكن ولا زدتكن تضعضعا ، ثم كتب إلى عبد الملك بما قال الرجل ، وبما قالت ابنته هذه ، فكتب عبد الملك إلى الحجاج يأمره باطلاقه وحسن صلته وبالاحسان إلى هذه الجارية وتفقدها في كل وقت . وقيل إن الحجاج خطب يوما فقال : أيها الناس الصبر عن محارم الله أيسر من الصبر على عذاب الله . فقام إليه رجل فقال له :